من «أعيان القبيلة» إلى «أعيان الخوارزمية»
نحو سوسيولوجيا النخبة السياسية الهجينة في زمن اقتصاد الانتباه
مقدمة: سؤال النخبة في لحظة التحول
في كتابه «العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي»، قدّم محمد عابد الجابري قراءة في فكر ابن خلدون تُبرز العصبية بوصفها الرابطة الاجتماعية الأساسية التي تجعل الجماعة قادرة على إنتاج السلطة والدفاع عنها (مركز دراسات الوحدة العربية). هذه الرابطة، في النسق الخلدوني، هي أساس الملك وشرط قيام الدولة.
لكن ماذا يحدث لهذه العصبية حين تنتقل من فضاء القبيلة إلى فضاء الخوارزمية؟ ما مصير «أعيان القبيلة» حين يصبح الخوارزمي هو من يعين الأعيان؟
هذه المقالة تحاول رسم خريطة سوسيولوجية لتحول بنيوي في طبيعة النخبة السياسية: من نموذج «العصبية القبلية» إلى نموذج «النخبة الهجينة» التي تجمع بين منطق القرابة ومنطق الخوارزمية. وهي لا تدّعي الإحاطة، بل تطرح فرضية للتشريح: النخبة السياسية اليوم ليست قبلية خالصة ولا رقمية محضة، بل هي «نخبة هجينة» تتنقل بين الفضاءين، وتستثمر في كليهما.
أولاً: أعيان القبيلة – من هم؟ وكيف اشتغلوا؟
لفهم «أعيان القبيلة»، لا بد من العودة إلى البنية القبلية كما وصفها الأنثروبولوجيون. في قبائل آيت عطا، مثلاً، كان «أمغار» يقود المفاوضات مع المجموعات المجاورة، ويسهر على الدفاع عن الأراضي والمصالح المشتركة، ويضمن الاتصال بين مختلف القبائل. وإلى جانبه، كانت هناك «جماعة من الأعيان» تنصحه وتراقبه، تضم ممثلين لجميع القبائل، وإن كانت عضوية هذه الجماعة غير محددة بدقة، إذ يمكن لكل الشخصيات النافذة أن تنضم إليها (أنفاس نت – قراءة في كتاب سبيلمان).
في هذا النسق، كانت الشرعية تُبنى على ثلاثة أسس: النسب (الانتماء إلى القبيلة)، والكفاءة (القدرة على القيادة والتفاوض)، والإجماع (مؤسسة «إجماعه» التي كانت الخلية الأساسية للتنظيم المحلي). كان «أعيان القبيلة»، إذاً، نتاجاً لعصبية مزدوجة: عصبية النسب وعصبية الولاء.
لكن هذا النموذج لم يكن جامداً. فحتى في البنية القبلية التقليدية، كانت هناك آليات لتحويل رأس المال الرمزي (الشرف، النسب، الكرم) إلى رأس مال سياسي (الزعامة، التفاوض، الوساطة). هذا التحويل هو ما سيتعقد في زمن الخوارزمية، لكنه لم يكن غائباً في زمن القبيلة.
ثانياً: من العصبية القبلية إلى العصبية الرقمية – تصحيح نظري
في التحليل الخلدوني، تُوصف أطوار الدولة بقراءة تبسيطية لاحقة تُختصر أحياناً في «دورة رباعية»: الجيل الأول يحمل خشونة البداوة، والثاني يتحول إلى الترف، والثالث ينسى عهد البداوة، والرابع يسقط تحت ضربات عصبية جديدة (مقدمة ابن خلدون – ويكي مصدر). لكن ابن خلدون لا يقدّم قانوناً ميكانيكياً ثابتاً من أربعة أجيال بالصيغة المدرسية الشائعة.
السؤال اليوم مختلف: ماذا لو أن «العصبية الجديدة» ليست قبلية، بل رقمية؟
هنا لا بد من ضبط نظري دقيق. الخوارزمية في حد ذاتها لا تنتج العصبية. هي آلية ترتيب وتوصية وتوزيع للانتباه. العصبية تنشأ من الجماعة والتماهي والولاء والاستقطاب والمصلحة المشتركة التي قد تضخمها الخوارزميات.
لذلك الأدق نظرياً:
الخوارزمية لا تستبدل العصبية، بل تعيد تشكيل آليات إنتاجها وتوسيعها.
هذه الجملة أقوى من فرضية «انتقلنا من العصبية القبلية إلى العصبية الخوارزمية». فما يحدث ليس انتقالاً من نموذج إلى آخر، بل تداخل بين النموذجين: الخوارزمية تدخل القبيلة إلى الهاتف، والهاتف يدخل القبيلة إلى الفضاء الرقمي.
ثالثاً: النخبة الهجينة – تشريح سوسيولوجي
ما نراه اليوم ليس انتقالاً من القبيلة إلى الخوارزمية، بل تشكّل «نخبة هجينة» تجمع بين المنطقين. هذه النخبة الهجينة تتحرك في فضاءين: الفضاء القبلي (حيث تُبنى الشبكات الشخصية والقرابية) والفضاء الرقمي (حيث تُبنى الصورة العامة والتأثير). وهي لا تنتمي إلى هذا أو ذاك، بل تتقن التنقل بينهما.
لكن لا ينبغي وضع «النسب» مقابل «البيانات» ببساطة. الفاعل السياسي المعاصر قد يمتلك الاثنين معاً: النسب/العائلة + المال + الموقع المؤسساتي + الشبكة الانتخابية + المتابعون + القدرة على صناعة المحتوى.
هنا يمكن الاستعانة بمفهوم رأس المال عند بيير بورديو، الذي وسّع هذا المفهوم ليشمل أنواعاً أخرى غير رأس المال الاقتصادي، مثل رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي (Bourdieu, The Forms of Capital, 1986). يعرّف بورديو رأس المال الاجتماعي بأنه «مجموع الموارد سواء الفعلية أو الظاهرية، تلك التي تعود على الفرد أو المجموعة بحكم امتلاك شبكة متينة من علاقات التعرف والاعتراف المتبادلة الممأسسة» (Bourdieu, 1986, pp. 248–249).
والمفتاح البورديوي هنا هو فكرة استراتيجيات إعادة التحويل (Reconversion Strategies) (Bourdieu, Boltanski & de Saint Martin, 1973)؛ أي تحويل رأس المال من شكل لآخر. هذا المفهوم هو ما يسمح لنا بفهم كيف يتحول رأس المال الاجتماعي التقليدي (النسب، الشبكة القرابية) إلى رأس مال رقمي (المتابعون، التفاعل)، وكيف يتحول هذا الأخير بدوره إلى رأس مال سياسي (النفوذ، المنصب، القدرة على التعبئة).
رابعاً: قابلية تحويل رأس المال الرقمي – المفهوم المفقود
ليس المهم أن شخصاً لديه 500 ألف متابع. السؤال السوسيولوجي هو:
كيف يتحول المتابع إلى ناخب؟ وكيف يتحول التفاعل إلى نفوذ؟ وكيف يتحول النفوذ الرقمي إلى منصب أو مورد أو قدرة على التفاوض؟
هنا يمكن إدخال مفهوم:
قابلية تحويل رأس المال الرقمي
فعدد المتابعين ليس سلطة سياسية بالضرورة. قد يكون مجرد رأس مال رمزي قابل للتحويل إذا استطاع صاحبه نقله من المنصة إلى المجال السياسي أو الاقتصادي أو المؤسساتي. وهذا يمنع المقال من الوقوع في فخ مساواة «المشاهدات» بـ«الشرعية».
شخص لديه مليون مشاهدة ولا يستطيع تحويلها إلى أي شيء سياسياً، قد يكون أقل نفوذاً من شخص لديه 20 ألف متابع لكن لديه شبكة انتخابية ومؤسساتية ومالية قوية.
وهنا يصبح النموذج أكثر إثارة:
النفوذ السياسي = رأس المال الاجتماعي × رأس المال المؤسساتي × رأس المال الرقمي × قابلية التحويل.
هذا نموذج تفسيري (heuristic model) وليس قياساً كمياً. وهو يمنعنا من الوقوع في فخين: فخ «الحتمية القبلية» (كل شيء يعود إلى النسب) وفخ «الحتمية الرقمية» (كل شيء يعود إلى الخوارزمية). الواقع أكثر تعقيداً: إنه تفاعل بين رأس المال الاجتماعي التقليدي ورأس المال الرقمي.
خامساً: من هم «أعيان الخوارزمية»؟ – تعريف سوسيولوجي
«أعيان الخوارزمية» ليسوا بالضرورة سياسيين. قد يكونون:
- مؤثرين؛
- صحافيين؛
- ناشطين؛
- أصحاب صفحات محلية؛
- صناع محتوى؛
- خبراء اتصال سياسي؛
- شبكات صفحات مجهولة؛
- وحتى فاعلين اقتصاديين.
لذلك الأفضل تعريفهم باعتبارهم:
فاعلين يمتلكون قدرة غير متناسبة على تحويل الانتباه الرقمي إلى تأثير اجتماعي أو سياسي.
هذا تعريف سوسيولوجي أكثر دقة من «أعيان الخوارزمية» كفئة مغلقة. إنهم ليسوا طبقة، بل موقعاً في شبكة: موقع يسمح بتحويل الانتباه إلى نفوذ.
سادساً: فوكو والمنصة – بنية توزيع الرؤية
ميشيل فوكو، في تحليله للسلطة، تجاوز التصور الذي يرى السلطة «ملكية» لطبقة أو فئة، وطرح بدلاً منه تحليلاً للسلطة بوصفها شبكة تنتشر في الجسم الاجتماعي (Foucault, Power/Knowledge, 1980). هذا التحليل يمكن أن يساعدنا في فهم النخبة الهجينة: إنها لا تتمركز في موقع واحد، بل تنتشر في شبكة من العلاقات التي تربط القبيلة بالخوارزمية، والوجه بالبيانات، والشفاهية بالرقمية.
لكن فوكو مفيد هنا ليس لأنه يفسر «النخبة» مباشرة، بل لأن قوته الحقيقية في تفسير كيفية مرور السلطة عبر الشبكات والممارسات والخطابات وآليات المراقبة والتطبيع. لذلك يمكن جعله طبقة تحليلية، لا «دليلاً» على وجود النخبة الهجينة.
والأجمل أن نربطه بالمنصات:
المنصة لا تمنح السلطة فقط، بل تنتج قابلية الرؤية، وتحدد ما يظهر وما يختفي، وما يستحق التفاعل وما يدفن في أسفل الصفحة.
وهنا تدخل الخوارزمية باعتبارها بنية لتوزيع الرؤية. إنها لا تنتج الواقع الاجتماعي من الصفر، لكنها تعيد ترتيب شروط ظهوره وقابليته للرؤية. ما يظهر على الشاشة يصبح «أكثر واقعية» من ما لا يظهر. وهذا هو جوهر السلطة الخوارزمية: القدرة على تحديد ما يستحق الانتباه.
سابعاً: لماذا هذا التحول؟ – ثلاث فرضيات
الفرضية الأولى: أزمة الشرعية التقليدية. العصبية القبلية، بمعناها الخلدوني، تفترض وجود «خطر» يجمع الجماعة. وقد لاحظ ابن خلدون أن العصبية «ظاهرة بدوية قبلية بامتياز»، وأنها لا تبرز إلا حين يتعرض أهل البدو لعدوان خارجي فتنتصب كعامل أساسي لرد ذلك الهجوم (النهار – قراءة في كتاب الجابري). لكن في مجتمعات اليوم، لم يعد الخطر خارجياً فقط، بل أصبح داخلياً أيضاً: أزمة الثقة، وأزمة التمثيل، وأزمة المعنى. في هذا السياق، تصبح الخوارزمية بديلاً عن النسب: إنها تنتج «انتماءً» جديداً، قائماً على التفاعل بدلاً من الدم.
الفرضية الثانية: التحول في بنية الاقتصاد السياسي. في نموذج «أعيان القبيلة»، كانت السلطة مرتبطة بالسيطرة على الأرض والماء. اليوم، أصبحت السلطة مرتبطة بالسيطرة على المعلومة والانتباه. «أعيان الخوارزمية» هم من يسيطرون على «اقتصاد الانتباه»: قدرة إنتاج المحتوى، وتوجيه الرأي، وخلق «الحدث».
الفرضية الثالثة: إعادة تشكيل «المثقف العضوي». محمد جسوس، الذي يُعتبر «أب السوسيولوجيا المغربية» (هسبريس)، كان يطرح سؤال «المثقف العضوي» بالمعنى الغرامشي: المثقف الذي ينتمي إلى المجتمع ويناضل من أجل تغييره. وقد حصل جسوس على شهادة «الميتريز» من جامعة لافال بكندا سنة 1960 في موضوع «حضارة القبيلة في المغرب: نموذج سوس» (القدس العربي)، ثم نال شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع سنة 1968 من جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية (الجزيرة نت – الموسوعة). وقد ساهم جسوس منذ نهاية ستينات القرن الماضي في تكوين أجيال عديدة من السوسيولوجيين، وفي انفتاح الجامعة المغربية على مقاربات نظرية وممارسات ميدانية جديدة سمحت بتأسيس خطاب سوسيولوجي متميز بعقلانيته ونزعته النقدية (وزارة الثقافة). اليوم، يطرح السؤال بصيغة جديدة: هل يمكن أن يؤدي بعض الفاعلين الرقميين وظيفة مشابهة في إنتاج الوعي والتعبئة والتمثيل الرمزي؟ السؤال ليس هل المؤثر هو «المثقف العضوي» فعلاً، بل هل يمكن أن يؤدي وظيفة مشابهة؟
ثامناً: نحو مفاهيم جديدة
لفهم هذه التحولات، نحتاج إلى مفاهيم جديدة. أقترح هنا، لأغراض التحليل، ثلاثة مفاهيم:
1. العصبية الرقمية (Digital Asabiyya): وهي رابطة اجتماعية تنشأ في الفضاء الرقمي، لا تقوم على النسب بل على التفاعل، ولا على الدم بل على «البيانات». لكنها ليست بديلاً عن العصبية القبلية، بل إعادة تشكيل لآليات إنتاجها. إنها عصبية «مُخوارزَمة»، تنتج جماعة بلا قرابة، وتخلق ولاءً بلا نسب.
2. الأعيان الهجينة (Hybrid Notables): وهم فاعلون يجمعون بين منطق القبيلة ومنطق الخوارزمية، ويتنقلون بين الفضاءين. لا ينتمون كلياً إلى هذا أو ذاك، بل يستثمرون في كليهما. هم نتاج تداخل رأس المال الاجتماعي التقليدي مع رأس المال الرقمي.
3. الشرعية الشبكية (Networked Legitimacy): وهي شرعية لا تُبنى على الإجماع الشفاهي أو النسب القبلي، بل على القدرة على التأثير في الشبكات الرقمية والاجتماعية. إنها شرعية تأتي من انتشار السلطة في الجسم الاجتماعي، لا من تمركزها في موقع واحد. هذا مفهوم أقترحه لأغراض التحليل، وليس مفهوماً مستقراً في الأدبيات السوسيولوجية.
خاتمة: أي مستقبل؟
السؤال المطروح اليوم ليس: هل ستختفي القبيلة؟ بل: كيف تُعاد تشكيلها في زمن الخوارزمية؟ وكيف يمكن فهم النخبة السياسية في هذا السياق؟
إن النخبة الهجينة ليست ظاهرة عابرة، بل هي تعبير عن تحول بنيوي في طبيعة السلطة والشرعية. وهي تطرح تحديات جديدة: تحديات الديمقراطية (حين تصبح الشرعية «شبكية» لا «تمثيلية»)، وتحديات المعرفة (حين تصبح «الخوارزمية» بديلاً عن «الإجماع»)، وتحديات الهوية (حين تصبح «البيانات» بديلاً عن «النسب»).
في هذا السياق، يبقى سؤال ابن خلدون مطروحاً بصيغة جديدة: ما الذي يجمع الناس؟ في الماضي، كان الجواب: العصبية. اليوم، قد يكون الجواب: الخوارزمية. لكن السؤال الأعمق يبقى:
متى يتحول التفاعل الرقمي من مجرد اتصال بين أفراد إلى رابطة جماعية قادرة على إنتاج الولاء والتعبئة والسلطة؟
هنا نخرج من البلاغة إلى سؤال بحث حقيقي.
والأهم: لم تعد المسألة فقط: من يملك العصبية؟ بل من يملك القدرة على تحويل العصبية إلى نفوذ، والنفوذ إلى شرعية، والشرعية إلى سلطة؟
هذا هو السؤال الذي يواجه السوسيولوجيا اليوم. وهو سؤال لا يمكن مواجهته إلا بأدوات جديدة، وبمفاهيم جديدة، وبروح نقدية لا تهادن.
المراجع
- أزناك، شرف. (2025). المؤسسات القبلية في المغرب وبعض أدوارها: مؤسسة إجماعه نموذجاً. دورية كان التاريخية، مج. 18، ع. 68 (s)، ص ص. 41-52.
- الجابري، محمد عابد. (1994). العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت (الطبعة السادسة). رابط الكتاب
- جسوس، محمد. (1960). حضارة القبيلة في المغرب: نموذج سوس. أطروحة الميتريز، جامعة لافال، كندا.
- سبيلمان، جورج. (2007). آيت عطا: الصحراء وتهدئة آفلا ن درا (ترجمة وتعليق محمد بوكبوط). منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، سلسلة الترجمة رقم 10، الرباط. رابط الكتاب
- Bourdieu, Pierre. (1986). The Forms of Capital. In J.G. Richardson (Ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education (pp. 241-258). New York: Greenwood Press. رابط الكتاب
- Hart, David M. (2000). Tribe and Society in Rural Morocco. London: Frank Cass. رابط الكتاب




